من فضلك، قل بيت ولا تقل ملجأ!

من فضلك …قل “بيت” ولا تقل “ملجأ”!

 

” هو أنتم يا ميس بتقولوا على بيتنا ملجأ؟!” كانت هذه كلمات إحدى الأطفال اليتيمات التي لن أنسى تعابير وجهها وهي توجهها لي وتلومني عندما سمعت أحد زملائي يقول كلمة “ملجأ”. كان هذا الموقف منذ حوالي 13 سنة، في أحد الفعاليات الخيرية التي كنا ننظمها ونحن طلبة في الجامعة، ولكني لازلت أذكر وقع كلمة “ملجأ” على هذه الطفلة والذي أفسد كل مظاهر البهجة والفرحة التي كنا نحاول أن نوصلها للأطفال. وكأن الكلمة كانت سببا كافيا لبناء حواجز ومسافات شاسعة بيننا وبين الأطفال.

 

كلمة “ملجأ” ليست كلمة مهينة، ولكنها مثل العديد من المفردات في اللغة العربية التي ظلمناها وأكسبناها معان سلبية من خلال أسلوب تناولنا وطرحنا للكلمة. فالانطباع السائد والثقافة العامة تجاه كلمة “ملجأ” هو أنه مكان غير نظيف يفتقر لكل أنواع الرعاية والتربية وتجد ذلك واضحا في كلاسيكيات الدراما المصرية.

 

الحقيقة أن كلمة “ملجأ” هي أيضا كلمة غير دقيقة لوصف بيوت الأيتام مثلها مثل مصطلح المؤسسات الإيوائية. فالملجأ اسم مكان من لجأ إلى: معقل ، حصن ، ملاذ ؛ مكان يحتمى به. عادة يلجأ إليه الإنسان أثناء الحروب أو أثناء أوقات الخطر إلى أن يزول. وكلمة إيواء مصدر آوَى، فنقول مثلا آوى إلى البيت: احتمى، أو أقام بيتا لإيواء الفقراء أي لإسكانهم. ولكن دور الأيتام هي بمثابة البيت للطفل اليتيم، فهي ليست فقط للسكن ولا فقط للحماية هي كل ذلك وأكثر. ينشأ الطفل مع مجموعة من الأطفال لا تجمعهم صلة الدم، ولكن يجمعهم ما هو أكبر من الدم، فهم أخوة ينامون ويأكلون ويحلمون ويكبرون سويا. فأنت لا تجد الطفل يشير إلى الدار بكلمة ملجأ أو المؤسسة وإنما يقول “في البيت عندنا”.

 

وبالرغم من أن قانون الطفل المصري ينص على أن اليتيم يغادر الدار حين يبلغ الثامنة عشر كما جاء في مادة ( 48( “يقصد بمؤسسة الرعاية الاجتماعية للأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية كل دار لإيـواء الأطفـال الـذين لا تقل سنهم عن ست سنوات ولا تزيد على ثماني عشرة سنة المحرومين من الرعاية الأسـرية بسـبب اليتم أو تصدع الأسرة أو عجزها عن توفير الرعاية الأسرية السليمة للطفل . ويجوز استمرار الطفل في المؤسسـة إذا كـان ملتحقـاً بـالتعليم العـالي إلـي أن يـتم تخرجـه متـى كانـت الظروف التي أدت إلى التحاقة بالمؤسسة قائمة واجتاز مراحل التعليم بنجاح”، إلا أنه يوجد العديد من بيوت الأيتام الجادة والمخلصة في تأدية رسالتها والتي لا تتبع قانون الدولة، وإنما تتبع قانون الإنسانية والذي يقتضي أن ترعى أبناءها وبناتها حتى يعتمدوا على أنفسهم.

ويأتي هنا أهمية القرار الوزاري بإلزامية تطبيق معايير جودة الرعاية في دور الأيتام والذي أصدرته وزارة التضامن الاجتماعي في مصر عام 2014، حيث يتضمن تطبيق ما يسمى بـ “الرعاية اللاحقة” وهي المرحلة التي تبدأ ببلوغ الطفل سن الـ 18 سواء كان اليتيم داخل الدار أو خارجه. تهدف هذه المرحلة إلى تأهيل اليتيم للاعتماد على نفسه، والتواصل المستمر معه حتى وإن استقل بذاته، وأخيرا دعمه في حالة تعثره.

 

البيت له حرمة وله قواعد وأصول، فهو ليس مكان عام  نزوره وقتما شئنا، وندخل غرفه كيفما أردنا. والأطفال في الدار هم ليسوا سبيل نملي عليهم أفكارنا وثقافاتنا ونفرض عليهم أسلوبنا في التعبير عن مشاعرنا. فكثرة الأحضان والقبل وإلحاحنا لمنادتنا بـ ماما وبابا، كلها مظاهر تسعدنا وترضينا، لكنها في الأغلب تضر الطفل. زوار دور الأيتام كثيرون ومختلفون، لذا وجب على صاحب البيت أن يضع قواعد للزوار من أجل حماية أبنائه، ووجب علينا إن كنا بالفعل نهتم لشأن الطفل ومصلحته أن نحترم هذه القواعد.

 

كلماتنا تعبر عن معتقداتنا ونظرتنا تجاه الأمور، وبناءا عليها تتشكل أفعالنا. فحين نختار أن نسمي البيت “ملجأ” فنحن نبني حاجزا بيننا وبين الأطفال دون أن ندري. ويزداد هذا الحاجز علوا يوما بعد يوم لأن أسلوب التعامل مع أطفال تربوا في “ملجأ” تختلف عن أسلوبنا في التعامل مع أطفال تربوا في “بيت”.  فمن فضلك لا تقل “ملجأ” وقل “بيت”.

 

للتعرف على معايير جودة الرعاية في دور الأيتام

للتعرف على آداب زيارة دور الأيتام